Wednesday, July 16, 2008

نافذة على عالم ماغريت – 3 من 4

اثر اندلاع الحرب العالمية الأولى، عمّ الناس شعور بالخوف واليأس جرّاء اكتشافهم بأن العالم مكان غير آمن وأبعد ما يكون عن الكمال الذي كانوا يتصوّرونه.
وفي ظل هذا المناخ المشوّش والسوداوي ظهرت السوريالية. وكان روّادها الأوائل يجاهرون بأن هدفهم هو تغيير الواقع من خلال إطاحة النظام القديم واستنباط قيم وأخلاقيات جديدة يستعيد من خلالها الإنسان قواه الروحية الأصيلة التي تضمن له الحرّية والخلاص من القيود التي تكبّله وتعيق تطوّره.
وكان اندريه بريتون، مؤسّس السوريالية ومنظّرها الأوّل، يرى أن بنية عقل الإنسان تعكس بطريقة ما عقل الكون نفسه، وأن عالم اللاوعي هو الذي يشكّل الطبيعة الحقيقية للإنسان لأنه النقطة التي لا تتناقض عندها الحياة مع الموت ولا الخير مع الشرّ ولا العدل مع الظلم ولا الماضي مع المستقبل ولا الواقع مع الخيال ولا الحقيقة مع الزيف.. إلى آخره.
ولهذا السبب كان بعض السورياليين لا يخفون تعاطفهم، بل وإعجابهم أحيانا، بالمجرمين والخارجين على القانون لأنهم برأيهم أشخاص أذكياء وجريئون و"مبدعون" في انتهاك القوانين والأعراف المتوارثة.
بل إن بريتون نفسه لم يكن يرى في الإنسان المجنون مجنونا بل مصدرا للحكمة والنبوءة، على اعتبار أن المرض النفسي يفسح المجال لظهور الجانب المظلم من العقل ومن ثم الكشف عن بعض الحقائق المؤلمة عن المجتمع وعن الطبيعة الإنسانية.
رينيه ماغريت كان هو أيضا جزءا من هذا الحراك الفكري والفلسفي. ومن المعروف انه قضى في باريس ثلاث سنوات كانت هي الأهم والأكثر غنى في مسيرته الفنية. وقد اتّسمت علاقته مع زملائه السورياليين بفترات من المدّ والجزر إلى أن انتهت تلك العلاقة تماما بعودته إلى بلجيكا حيث قضى فيها العشرين سنة الأخيرة من حياته.
ويقال إن ماغريت احرق كلّ المقتنيات والأشياء الخاصّة التي كانت تذكّره بالحقبة السوريالية. وقد نفى بعد ذلك أكثر من مرّة أن يكون سورياليا أو أن تكون لفنه صلة بالسوريالية. وكانت علاقته مع بريتون، خاصّة، قد تدهورت عندما غضب الأخير لرؤيته زوجة ماغريت في احد اجتماعاتهم وهي ترتدي صليبا وطالبها بنزعه فرفضت.
ومن المعروف أن السوريالية ارتبطت في بدايات ظهورها بالماركسية. وماغريت نفسه لا يتحرّج من الإشارة إلى انه اعتنق الأفكار اليسارية في مطلع شبابه.
وفي إحدى المراحل انتسب للحزب الشيوعي، غير انه سرعان ما تركه بعدما طُلب منه أن يكيّف فنّه مع الايديولوجيا الحزبية وأن يوظف لوحاته للترويج لأفكار الحزب ومبادئه.



كان ماغريت، الذي تفتّح وعيه مبكّرا على أشعار الان بو وروايات ستيفنسون وأفلام شارلي شابلن، يرسم ليستفز ويثير المشاعر.
وبالنسبة إليه فإن هذا العالم يعتبر مصدرا كافيا للكشوفات المدهشة والتجليات الشفافة. ولهذا السبب، وخلافا للسورياليين الآخرين، لم يكن مهتمّا بأن يستقي من الأحلام والهلوسات والظواهر الغريبة مصدرا لمضامين لوحاته.
في لوحته غموض الأفق Mysteries of the Horizon نرى ثلاثة أشخاص متماثلين ظاهريا ويرتدون القبّعات. المنظر يدلّ على أن الوقت قد يكون فجرا أو ساعة الغروب. ومع أن الرجال الثلاثة يقفون في نفس المكان، فإن كلا منهم منفصل نفسيا وشعوريا عن الآخر. وما يعزّز هذه الفرضية أن لكلّ منهم هلاله الخاص ووجهته الخاصّة.
تفاصيل اللوحة توحي بأننا قد نكون أمام صورة من صور تشظّي الذات وتجزؤ الإنسان وابتعاده عن الإحساس بالكُلّ. وهناك احتمال أن يكون ماغريت أراد من خلال اللوحة التأكيد على مسألة التمايزات والفروق الفردية التي تجعل من كلّ شخص مختلفا عمّن سواه في المزاج النفسي وفي طريقة النظر إلى الحياة برغم التماثل في الملامح الفيزيائية أو الجسدية.
هذان مجرّد احتمالين. مع أن المعنى قد يكمن في مكان آخر..



إن بعض لوحات ماغريت تعطي إحساسا بأن الفنان يتعمّد السخرية من الحداثة والرأسمالية والاشتراكية ومن البورجوازيين بل وحتى من العصر نفسه الذي برأيه يستحقّ الشفقة. هذا بالرغم من حقيقة انه كان هو نفسه بورجوازيا طوال حياته بقدر ما كان إيمانه قويّا أيضا بأفكار العصرنة والليبرالية.
في لوحة جولكوندا Golconda يضعنا ماغريت أمام منظر غريب . هنا بوسع الناظر أن يرى مجموعة من الأشخاص المعلقين في الهواء، متّخذين شكل وقوف رأسي أمام عدّة مبان متجاورة طليت واجهاتها باللون البنّي الغامق.
قد يكون ماغريت رسم هذا المنظر كي يصوّر من خلاله الآثار السيّئة التي تنتج عن رصّ البشر ومحاولة تشكيلهم أو قولبتهم على نسق أو نموذج أو نظام واحد بعيدا عن أي مضمون إنساني كما لو أنهم كتل من الحجارة الصمّاء. والنتيجة واضحة، وهي أن السياق الذي ينتظم الأشخاص في اللوحة أصبح مبعثرا ومتنافرا، بحيث لا نرى أمامنا سوى بضعة أشخاص كاملين فيما تضاءلت أحجام البقية وأصبحوا مجرّد ظلال. ويمكن أن تكون اللوحة إشارة إلى البنية الطبقية للمجتمع الصناعي التي تتّسم بالتفاوت الشديد والصرامة والقسوة. كما يمكن أن تكون رمزا لضياع هويّة الفرد بعد أن حوّلته المدنية الحديثة بإيقاعها الآلي إلى مجرّد رقم أو جزء ضئيل من آلة الإنتاج الهائلة والمتوحّشة.
لكن هناك تفسيرا آخر يستند إلى ما عُرف عن ماغريت من براعة في التلاعب باللغة وتغيير نظام الكلمات. فعنوان اللوحة "جولكوندا" ربّما يشير ضمنا إلى لوحة دافنشي الجيوكندا أو الموناليزا. كأن ماغريت أراد أن يقول إن الجيوكندا ليست ما تراه في هذا المنظر، لأنها تحوّلت في العالم الحديث وبفضل هيمنة رأس المال وسطوة الإعلان إلى مجرّد سلعة لكسب الربح وجني المال بعد أن تطاير مضمونها الفني والإبداعي في الهواء.



إن من أهم سمات لوحات ماغريت أنها تمتلئ بالشكّ وبالأسئلة الوجودية الكثيرة ولا نكاد نرى فيها وجودا ملموسا لخالق أو لذات عليا. والإنسان في العديد من رسوماته غريب ويائس ومهزوم لأنه يعيش في عالم يجهل الكثير من معطياته وحقائقه. وهو بالإضافة إلى هذا إنسان عاجز ومسلوب الإرادة بفعل تسلط الجماعة وهيمنة القيم الموروثة.
في الحنين إلى الوطن Homesickness يرسم ماغريت رجلا بجناحين وأسدا رابضا على الأرض وعمود إنارة ورصيفا.
من الواضح أن كلا من الرجل والأسد موجود خارج هيئته الطبيعية. فالرجل له جناحان قد يكون ماغريت استعارهما من الصورة الكلاسيكية للأسد، إذ تذكر الأساطير انه كان للأسد جناحان في بدايات خلق الأرض. لكنه اليوم أصبح حيوانا مروّضا وبذا فقد حرّيته رغم انه يبدو حرّا ظاهريا.
الأسد أصبح خارج القفص لكنه ليس حرّا. والرجل صار له جناحان لكنه ما يزال داخل "قفص". والاثنان أسيرا إحساسهما بالوحدة والغربة والحنين إلى الماضي. ويمكن اختصار مضمون هذه اللوحة بعبارة جان بول سارتر: الحرّية هي المصدر الأول لمعاناة الإنسان المعاصر".



إن ماغريت لا يتوقف عن العبث بنظام الأشياء لكي يخرّب إحساسنا بالاطمئنان إلى ما نعتبره واقعا وحقيقة مسلّما بها ويعتبره، هو، مجرّد تهيّؤات وأحلام ورغبات غامضة.
في لوحة الآخرة Beyond يرسم منظرا تنقبض له النفس يعبّر من خلاله عن مأساة الإنسان وعدمية الوجود. في اللوحة لا نرى سوى قبر وحيد من الحجر بلا شاهد أو اثر يدلّ على صاحبه وسط صحراء موحشة يلفها السراب والصمت وتلهبها أشعة الشمس الحارقة.
وفي الإجابة غير المتوقّعة The Unexpected Answer، يرسم ماغريت بابا تتوسّطه فجوة طولية على هيئة شخص شبحي. الصورة قد تكون تجسيدا لخوف الإنسان الغريزي من المجهول. مثلا، قد يفاجأ احدنا في ساعة متأخّرة من الليل بمن يقترب من بيته ليطرق الباب ويوقظه من نومه. وبما انه لا يتوقّع زيارة احد في مثل تلك الساعة، فإنه من الطبيعي أن يتسرّب الخوف والقلق إلى نفسه ويتساءل عمّن عساه يكون ذلك الزائر الغريب. وفي غمرة إحساسه بالخوف والتوجّس قد يفترض أن الطارق إما لصّ مغامر أو مجرم محترف. لكن لا يخطر بباله أن الزائر قد يكون صديقا قديما اهتدى إلى البيت بعد طول بحث أو عابر سبيل يطلب غوثاً أو مساعدة. لكننا اعتدنا على الخوف من المجهول وتوقع الأسوأ، لان عقولنا مبرمجة سلفا وبشكل لا إرادي على التخيّلات الجامحة والتهيّؤات غير الواقعية.



وفي أزهار الشرّ The Flowers of Evil يرسم ماغريت مشهدا استمدّ عنوانه من اسم أشهر ديوان شعر لـ بودلير. كان بودلير يؤمن بأن الشرّ ينطوي على عنصر غواية وجمال وأن ثمّة حاجة لاستخلاص الجمال من الشرّ. كما كان يرى أن ثنائية الإنسان هي مكمن شقائه الوجودي فهو يتطلع للتسامي إلى الأعلى، أي إلى الله، لكنه مشدود بنفس الوقت إلى رغباته الأرضية التي يمليها عليه الشيطان.
في اللوحة رسم ماغريت امرأة عارية بملامح تمثالية جميلة وهي تمسك بإحدى يديها زهرة بينما تسند يدها الأخرى على حجر.
ومن الواضح أن جسد المرأة ينطوي على عنصر حسّي لكنها في النهاية مصنوعة من حجر. وهي تبدو حيّة لكن عينيها متحجّرتان. وهذا التناقض بين ما هو حقيقي وما هو مزيّف، بين اللحم الحيّ والمادة الساكنة، يطبع اللوحة بالمفارقة ويضفي عليها مسحة من التناقض والغموض.
ومن أكثر أعمال ماغريت احتفاءً لوحته المسمّاة علاقات خطرة Dangerous Liaisons التي تظهر فيها امرأة عارية وهي تمسك بمرآة كبيرة تغطي معظم جسدها.
لكن المرآة تعكس صورة جانبية للمرأة تبدو فيها كما لو أنها تستدير محاولة إخفاء صدرها.
والأسئلة التي تثيرها اللوحة كثيرة. مثلا، هل يتضمّن المشهد أكثر من مرآة؟ هل هناك امرأة واحدة أم أكثر؟ ومن حيث المضمون، هل يشير ماغريت هنا إلى فكرة الأنوثة، صورة الجسد، أو وعي الإنسان بصورة جسده؟
هل النظر في المرآة هو العلاقة الخطرة التي يشير إليها العنوان لأنها لا تقود، حسب ماغريت، سوى إلى وهم وخداع؟
أم هل أن صورة الإنسان عن جسده ترتبط بشعور غامض بالخوف أو الخجل أو الارتياب كما تشي بذلك حركة المرأة في الإطار؟
أم أن الموضوع لا يعدو كونه شكلا آخر من أشكال الايهام البصري يلجأ إليه ماغريت كي يقول لنا إن سطح الزجاج ليس هو بالضرورة سطح الواقع وليؤكّد من جديد فكرته القائلة بهشاشة وضعف إدراك الإنسان للواقع؟
كلّ هذه الاحتمالات ممكنة. لكن لا شيء منها مؤكّد.



وفي لوحة اكتشاف النار The Discovery of Fire يرسم ماغريت "تيوبا"، وهي آلة موسيقية نفخية لها أنابيب ملتوية ومتجاورة، بينما راحت النار تلتهمها من أطرافها.
وللنار عند ماغريت دلالة خاصة، إذ تظهر في أكثر من لوحة من لوحاته. هناك مثلا لوحة اسماها الطوفان The Flood وفيها تظهر امرأة جسدها نصف عارٍ والى جوارها آلة تيوبا تحترق. وينقل عن ماغريت انه قال في إحدى المرّات أن الاكتشاف المدهش للنار، من خلال عملية احتكاك جسمين ببعضهما، يذكّرنا بالآلية الفيزيائية للمتعة.
وهناك من الكتاب والفلاسفة من يرى أن النار مقترنة بالمتعة وأن المتعة تستمدّ فكرتها من الحبّ والحرّية. وبناءً عليه، فالنار هي المعادل المجازي للاثنين. وليس من المستغرب أن يكون للمرأة حضور متخفّ ودائم في لوحات السورياليين، فهي عندهم رمز للحبّ وهي الوجود المختبئ دائما في غابة أحلامهم وتخيّلاتهم.



إن الفضول الذي تثيره عناوين لوحات ماغريت كثيرا ما يدفع الناظر إلى العودة إلى الصورة ليتأمّلها من جديد وليتساءل، مثلا، عن المنطق الذي يدفع ماغريت إلى إطلاق اسم الوتر الحسّاس أوLe Corde Sensible على لوحة تصوّر غيمة ثلجية تطفو على سطح كأس زجاجي، أو عن العلاقة بين تلك الكتل من الصخور الضخمة التي ركّبت فوق بعضها لتأخذ شكل كلمة "الحلم" بالفرنسية وبين الاسم الذي اختاره ماغريت لتلك اللوحة (فنّ المحادثة The Art of Conversation)، أو عن الفكرة التي تنطوي عليها لوحته بعنوان الابتكار الجماعي The Collective Invention التي يقلب فيها الصورة النمطية، والرومانسية غالبا، الشائعة عن عروس البحر فيجعل لها رأس سمكة وساقي امرأة.



في إحدى اللوحات التي اقتبس ماغريت اسمها من عنوان قصّة لـ ادغار الان بو بعنوان مملكة آرنهايم The Domain of Arnheim، يرسم صورة يدفع من خلالها الناظر إلى إعادة النظر في أفكاره وتصوّراته عن الجبال. فقد رسم جبلا على هيئة نسر عملاق وفي مقدّمة اللوحة يستقر عشّ بيض على جدار. تفاصيل المشهد وطريقة رسمه توحي بأن الجبل هو الذي وضع البيض مع أن البيض صغير جدّا بالنسبة لحجم النسر المهول.
لكن بصرف النظر عن هذه التفاصيل الصغيرة، فإن هذه اللوحة تعتبر اليوم من أشهر أعمال ماغريت بالنظر إلى سورياليتها الموغلة وقوّتها البصرية الأخّاذة.



إن ماغريت الذي يشغله غموض العالم وتستفزه تناقضاته الكثيرة لا يتردّد في خلخلة الأفكار والتصوّرات المستقرّة وقلب الأعراف والقوانين رأسا على عقب، فيحوّل النباتات إلى طيور والتماثيل إلى لحم حيّ والبشر والفاكهة إلى حجارة وكأنه يباشر عملية خلق فصيلة أو نظام جيني جديد بطريقة لا تخلو أحيانا من السخرية وروح الدعابة.



لقد ترسّخت عند الفنانين والنقاد فكرة تقول إن الفنان لكي يكون حداثيا فلا بدّ من أن يكون قبيحا وصادما عند السطح. وقد كان بإمكان ماغريت أن يكون كذلك لولا أن نقاءه كفنان كان يدفعه دائما لأن يدفن القبح والصدمة تحت السطح.
وربّما لا يستثنى من هذا التوصيف سوى بضع من لوحاته أهمّها اثنتان؛ الأولى: الاغتصاب The Rape التي يأخذ فيها وجه امرأة شكل أعضائها الخاصّة، في إشارة إلى أن المغتصب إذ يقوم بفعلته يكون قد طمس ملامح وجه المرأة في "لا وعيه" وأحلّ مكانها تصوّراته عن تفاصيل جسدها مدفوعا بتأثير نزواته ورغباته المكبوتة.
والثانية: القاتل المهدَّد The Threatened Murderer التي تصوّر مسرحا لجريمة قتل.
ويمكن أن نجد في إحدى عبارات ماغريت تبريرا لرسمه هاتين اللوحتين إذ يقول: لا يجب أن نخشى ضوء النهار لمجرّد انه يكشف أحيانا عن بعض تعاسات العالم الذي نعيش فيه".



في اللوحة الأخيرة، أي القاتل المهدّد، يظهر رجلا تحرّي يرتديان القبّعة ويكمنان في طرفي غرفة استعدادا للانقضاض على قاتل بهيئة محترمة. القاتل منهمك في الاستماع إلى الموسيقى من جهاز تسجيل قديم بينما يظهر بالقرب منه جسد عار لامرأة يبدو انه قتلها للتوّ. وخلف النافذة في نهاية الغرفة نرى ثلاثة رجال يراقبون ما يجري.
عنوان اللوحة نفسه ينطوي على مفارقة، إذ كيف يمكن تصوّر أن يكون القاتل مهدَّدَا؟ لكن عند التدقيق في ملامح الرجال، القاتل ورجلي التحرّي والمتفرّجين بل وحتى المرأة الضحيّة، سرعان ما نكتشف أنهم جميعا يحملون نفس الوجوه. أي أن القاتل والمقتول والجمهور كلهم ضحايا وكلهم جناة.
إن ماغريت لا يكفّ عن طرح بعض أكثر أسئلة الوجود صعوبة وتعقيدا. وغالبا ما تكون الإجابات ضمنية. وهو بهذا المعنى يمارس العنف ضد أفكارنا وقناعاتنا الجاهزة والمقبولة، ولا يتوانى أثناء ذلك عن تقويض العقل واللغة والواقع لكي يبدّد رضانا وقناعتنا بأن عالمنا مستقرّ ويمكن التنبّؤ به.



وبعض النقاد ممّن درسوا لوحاته قالوا بأنها انعكاس لرغبة الفنان في التعبير عن اعتراضه على رتابة وعبثية الحياة. والبعض الآخر رأوا فيها ما يمكن اعتباره حيلة هروبية ونكوصا عن مواجهة الواقع. والبعض الثالث تحدّث عن دأب ماغريت ومثابرته في توظيف فنّه من اجل كشف بعض المناطق المظلمة والمعقّدة في الطبيعة الإنسانية.
وهناك فريق آخر من النقاد ممّن لا يخفون افتتانهم بجمال مناظره وجاذبيتها رغم كون بعضها مربكا ومستفزّا.
وهو قال ذات مرة بطريقته المختزلة والساخرة: إن كل لوحة تبدأ كقصّة حبّ وتنتهي كعملية اغتصاب!"


Sunday, June 29, 2008

نافذة على عالم ماغريت – 2 من 4

يقال أن ماغريت لم يكن يختلف كثيرا عن شخصيات لوحاته. فقد كان شديد الاهتمام بمظهره حريصا دائما على ضبط أفعاله وتصرّفاته الشخصية.
ويبدو أن حبّه لباريس وأضوائها وصخبها لم ينسِه حبّه الأول لبلده بلجيكا التي كان يرى أنها اهدأ من باريس وأكثر تواضعا.
وقد عرف عنه نفوره من أسلوب حياة زملائه السورياليين الذين كان أكثرهم منغمسا في حياة الترف والمجون. وفي ما بعد تطوّر الأمر بينه وبينهم إلى قطيعة شبه كاملة عندما رأوا في لوحاته خروجا على النسَق الذي ميّزوا به أنفسهم.
وعلى الجانب الشخصي كان ماغريت حريصا على أن تبقى حياته العائلية طيّ الكتمان. كما كان وفيّا لزوجته جيورجيت بيرجيه التي ظلّ معها 45 عاما والى حين وفاته.
ويقال انه تأثّر في بداياته بالرسّام الميتافيزيقي دي تشيريكو Giorgio de Chirico وخاصّة لوحته المشهورة أغنية الحب The Song of Love التي كان ماغريت يرى فيها نموذجا لسموّ الشعر وتفوّقه على الرسم.
ولا بدّ وأن روح بلدته طبعت فنّه وأضفت عليه تلك المسحة من الغموض التي تميّز لوحاته. فقد ولد ماغريت في بلدة بلجيكية عُرف عنها سماؤها المعتمة وأجواؤها الضبابية الباردة.
ولأن السماء عنده تمثل المطلق واللانهائي فقد صارت عنصرا ثابتا في العديد من أعماله. وفي ما بعد ظهر مصطلح "سماء ماغريت في" إشارة إلى أسلوبه الخاص والمتفرّد في تمثيل الغيوم والسماء.
ولا شك أن كثيرا من الفضل يعود لـ ماغريت في انه اخرج السماء من كونها مجرّد فراغ فيزيائي مصمت أو مادّة للتنبؤات الدينية والميتافيزيقية الغامضة وحوّلها إلى فضاء من الكشوفات البصرية والفلسفية والجمالية المدهشة.
في لوحة استكشاف بلا نهاية Reconnaissance Infinie يرسم ماغريت مشهدا غامضا لحوار تأمّلي في السماء ووسط الغيم يجمعه وصديقه الشاعر السوريالي البلجيكي بول كولونيه الذي كان يشركه في اختيار أسماء للوحاته. المنظر يصوّر الاحترام الذي كان كلّ من الرجلين يكنّه للآخر كما أنها توحي بـ "لا نهائية" العلاقة التي لا يمكن قياسها أو تحديد مداها.



لقد كان ماغريت يرى في السماء القبّة العظيمة التي تظلل الكون والصلة الكبرى التي توحّد جميع ساكني الأرض. ولطالما شغله التفكير في أسباب غيابها عن رسومات الفنانين الأوائل الذين انشغلوا كليا برسم مناظر الطبيعة وحياة البحر.
السماء بالنسبة له لم تكن مجرّد فراغ لا نهائي يملؤه الصمت والسكون الأبدي وإنما معجزة من معجزات الخلق التي نلمسها ونراها كل يوم. لكن بحكم التعوّد والتكرار، غادَرَنا الإحساس بالدهشة والانبهار وقوة التخيّل تجاه ما ترمز له السماء من رحابة وغموض وما تنطوي عليه من غرائب وخفاء وما تربطها بالأرض وعناصرها المختلفة من أواصر وجودية وشعورية ووروحية.



من الموتيفات التي تتكرّر كثيرا في لوحات ماغريت القبّعة. أحيانا يرسم نفسه معتمرا قبّعة وأحيانا أخرى يستحضرها كرمز لأفراد الطبقة البورجوازية والارستقراطيين.
وقد كان يتعمّد جعل هويّات أشخاصه مجهولة. وهو من خلال هذا الأسلوب يحقق أكثر من هدف لعلّ أهمّها عولمة الشخصية؛ أي جعلها عامّة ونموذجية. والهدف الثاني دفع الناظر إلى التماهي لا إراديا مع الشخصية وكأنه يقول إن ما تراه في اللوحة هو أنا وأنت ونحن جميعنا. إننا نغطي أعيننا أو ندير ظهرنا للعالم، وبذلك نحرم أنفسنا من رؤية الواقع على حقيقته وفهم واستيعاب ما يجري من حولنا.
في ديكالكومانيا Decalcomania نرى في الجهة اليسرى من اللوحة رجلا من الخلف وهو يرتدي القبّعة وبدلة رجال الأعمال ويقف في مواجهة سماء غائمة.
وفي الجانب الأيمن من اللوحة جزء مستقطع للرجل في ستارة حمراء تشفّ عن جزء مناظر من السماء الغائمة أمامه.
هذه اللوحة تعتبر من أجمل ما رسمه ماغريت، وهي مثيرة للتفكير والتأمّل. وقد تكون رمزا للفناء أو الخلود أو العبور من مرحلة لأخرى. ويقال إنها عبارة عن بورتريه شخصي للفنان أراده أن يكون مبهما ومفتوحا على عدّة احتمالات.



يقول احد الكتاب: أن تطالع لوحة لماغريت يعني أن تسمح له بأن يأخذ مقعدا في مؤخّرة دماغك ليبدأ من هناك في إعادة توجيه وربط العلاقات والاحتمالات والنسب بين ما هو متوقّع وما هو غير متوقّع، وبين ما هو واقعي وغير واقعي.
وماغريت يعتبر بلا منازع سيّد الرموز والإشارات المشفّرة. وهو من خلال الرموز والإيحاءات والإشارات يحاول أن يشدّ انتباه المتلقي ويدعوه لأن يعبر الحدّ الفاصل بين ما هو جميل وما هو مثير للتفكير والتأمّل.



في لوحة الحرب الكبرى The Great War نطالع صورة امرأة ترتدي ملابس بيضاء أنيقة وتمسك بمظلة وتضع فوق رأسها قبّعة كبيرة. لكن الأمر اللافت هو أن وجه المرأة مغطى بوردة بنفسجية.
والتفسيرات كثيرة. لكن أكثرها إثارةً للاهتمام يقول إن المرأة ليست سوى والدة ماغريت التي انتحرت بإغراق نفسها وهو ما يزال في الثانية عشرة. وعندما انتشلت جثتها من النهر ليلا، وكان رينيه حاضرا، كان وجهها مغطى بقطعة من فستانها الليلي.
والوردة التي تغطي وجهها في اللوحة كانت وردتها المفضلة. كانت تحبّ تلك الوردة بالذات وتحرص على زراعتها في حديقة بيتهم.
أما الاسم الغريب الذي اختاره ماغريت للوحة فربّما يشير إلى حالة التمزّق النفسي والألم المضني الذي كان يعتريه عندما يرى الورد في الحياة لكنه يعرف انه لن يستطيع رؤية وجه أمّه مرّة أخرى.



وكثيرا ما يُشار إلى قصّة موت والدة الرسّام مقرونة بنَفَس شاعري ويستشهد بتلك الحادثة باعتبارها المصدر الذي استلهم منه ماغريت فكرة رسم عدّة لوحات تظهر فيها نساء عاريات ورجال غطيت رؤوسهم بقطع من القماش.
والحقيقة أن منظر أمّه الميتة لم يفارق مخيّلته طيلة حياته. وكانت تلك الصورة تطفو إلى السطح بين وقت وآخر كي تأخذ طريقتها إلى بعض لوحاته.
ومن بين أعماله الأخرى التي تندرج ضمن هذا الإطار لوحته العاشقان The Lovers التي تصوّر شخصين يقبّل كلّ منهما الآخر بينما غطيا رأسيهما بقماش ابيض.



في لوحة على عتبات الحرّية On the Threshold of Liberty يرسم ماغريت صديقه الشاعر الانجليزي ادوارد جيمس. كان جيمس شخصا ثريّاً وغريب الأطوار، وعرف عنه دعمه ورعايته للرسّامين السورياليين أمثال ماغريت ودالي وسواهما. وقد رسم ماغريت لادوارد جيمس ثلاث لوحات يظهر في إحداها واقفا أمام لوحة معلقة على جدار. لكن الرجل في غمرة انشغاله بالتحديق في اللوحة التي تمثل الحرّية، لا يفطن إلى أن هناك مدفعا ثقيلا قابعا خلفه ومصوّبا فوّهته نحو ظهره.
وفي لوحة الاستنساخ الممنوع La Reproduction Interdite نرى الشاعر نفسه واقفا أمام مرآة. غير أن المرآة لا تعكس وجهه كما هو متوقّع وإنما ظهره، الأمر الذي يذكّرنا بلوحة خيانة الصور التي يتساءل فيها الرسّام عن حدود ما هو واقعي وغير واقعي.
ومن الواضح أن هذه اللوحة تحتمل أكثر من تفسير. ربّما كان ماغريت يتساءل عمّا إذا كان بإمكاننا أن نعرف عن الشخص لو رأينا وجهه أكثر مما نعرف عنه عند رؤيته من الخلف. وقد يكون أراد أن ينقل لنا من خلال اللوحة صورة من صور الإحساس بغموض الهويّة وفقدان الذات. ولا ينسى ماغريت، زيادة في إدهاش الناظر وإرباكه، أن يرسم إلى جانب المرآة كتابا لشاعره المفضّل ادغار الان بو يحكي فيه عن رحلة متخيلة.



كان ماغريت متأثرا بـ ألان بو وبأشعاره الكثيرة عن الموت. ويقال إن أوّل ما فعله عندما حلّ بأمريكا هو زيارة ضريح الشاعر. وبعض لوحات ماغريت لا تخلو من مضامين عن الموت. وقد نشأت هذه الفكرة في ذهنه عقب وفاة والدته.
وقد عرف عنه انه كان يرسم لوحاته في غرفة المعيشة بالقرب من النافذة. وكان يرفض دائما أن ينشئ له محترفا أو استديو.
والغريب أنه لم يكن يمانع في أن يستنسخ الناس أعماله ويصوّروها. وقد يكون هذا سببا مهمّا في أن لوحاته أصبحت مألوفة كثيرا للعين، ابتداءً من مشهد القطار الذي يخرج من مدخنة، إلى المرأة التي تتحوّل بشرتها إلى نسيج خشبي "كان ماغريت يقول إن الرؤية هي اللمس من بعيد"، إلى الغيم الذي يأخذ شكل حمامة على خلفية من سماء زرقاء، إلى التفاحة الخضراء أو الحجر أو الوردة التي تملأ فراغ غرفة بأكملها، إلى النباتات التي تنمو على هيئة طيور .. إلى آخره.
ومن بين موتيفات ماغريت المفضّلة النافذة. فهي وسيلتنا لرؤية العوالم الأخرى والنظر إلى ما هو ابعد من وجودنا القريب. لكن النافذة بنفس الوقت لا تتيح للناظر سوى مشاهدة جزء من الواقع بحسب الزاوية أو المكان الذي ينظر منه، ونتيجة لذلك يمكن أن تكون الرؤية مشوّشة وغائمة. ولان للنوافذ عيوبها ونقائصها فإنها تصبح عند ماغريت رمزا لنقص معرفة الإنسان وقصور إدراكه عن فهم الواقع.
في لوحة التيليسكوب The Telescope، مثلا، يرسم ماغريت نافذة مواربة تحيل الناظر إلى سماء زرقاء غائمة. غير أن الجزء المفتوح منها يشير إلى ظلام في الخارج. وقد تكون اللوحة ترجمة لنظرية أفلاطون القائلة بأن ما ننظر إليه يمكن أن يكون صورة ظلية وليس بالضرورة واقعا فعليا.



ومما ينقل عن ماغريت قوله: إن إدراكنا عن أنفسنا ليس هو بالضرورة الصورة التي يرانا عليها الناس. وكثيرا ما نسمح لعقولنا أن تدفعنا للاعتقاد بأننا لا نكشف للآخرين عن انفعالاتنا أو لا نسمح لهم برؤيتها. لكن الحقيقة هي أننا لا نستطيع إغلاق جميع المنافذ لكي نهرب من انفعالاتنا أو نحجبها عن الآخرين".
في لوحة الجاسوس The Spy نرى شابّا ينحني لينظر من خلال ثقب الباب إلى امرأة تحدّق في الناظر بعينين متجمّدتين. هذا المشهد قد لا يكون باعثا للارتياح، لكنه يحمل سمات الترصّد والظلام التي كان ماغريت بارعا في تصويرها في لوحاته.
وفي لوحة The Seducer يرسم ماغريت سفينة غامضة وسط البحر. وفي خلفية المنظر تشكيلات من الغيم. وليس في اللوحة ما يوحي بطبيعة الطقس أو الزمان أو المكان. والاهم من ذلك خلوّها من أيّة إشارة إلى عنصر الإغراء الذي يوحي به العنوان. والملمح الأساسي في اللوحة هو انثناءات الموج التي تمتدّ لتتداخل مع تفاصيل جسم السفينة نفسه. وثمّة احتمال بأن فعل الإغراء هنا هو ما يفعله البحر بالسفينة. إذ أن من دلالات المفردة أنها تشير إلى الحيلة والخداع "البصري في هذه الحالة". وقد يكون المعنى كامنا في عنصر المتعة التي يحصل عليها المتلقي عندما يتمعّن في اللوحة بعقل ناقد وعين متأمّلة.



من اللافت للاهتمام في لوحات مارغريت هذا الحضور الدائم للنار والغيم والورود والنوافذ المفتوحة والطيور والستائر والأشخاص البلا وجوه وكتل الحجارة والآلات الموسيقية والأجراس والتفّاح الأخضر والكرات المعدنية الصغيرة.. إلى آخره.
وقد كان من عادته أن يختار اسما واحدا لعدّة لوحات قد تتفق أو تختلف فكرتها عن اللوحة الأصل.
في إحدى لوحات سلسلة سحر أسود Black Magic يرسم ماغريت امرأة عارية اختار لنصفها العلوي لونا ازرق في إشارة قد يكون قصد من ورائها أن الأفكار والمشاعر تأتي من العقل والقلب.
ولأن الأفكار والعواطف تتسم بطبيعتها اللامادّية، فقد اختار لذلك الجزء اللون الأزرق باعتباره لونا أثيريا يرمز للسموّ والنبل والتوحّد مع السماء.



وفي بعض لوحاته تأخذ المقتنيات والأشياء الشخصية من ملابس وفساتين وأردية داخلية أشكال أعضاء أصحابها.
في إحدى لوحات الموديل الحمراء The Red Model، مثلا، يتحوّل الحذاءان إلى قدمين. وقد يخطر بذهن الناظر أن الرسّام ربّما يشير إلى الارتباط اللاشعوري بين الإنسان وأشيائه الشخصية بحكم الاعتياد وطول المعايشة. لكن ماغريت يقدّم تفسيرا أكثر إقناعا وعمقا للوحة عندما يقول: إن أكثر الأشياء همجية وبربرية في هذا العالم يمكن أن تصبح مقبولة ومبرّرة من خلال قوّة العادة".

Thursday, June 19, 2008

نافذة على عالم ماغريت – 1 من 4

على الرغم من مرور أكثر من أربعين عاما على وفاته، ما يزال يُنظر إلى رينيه ماغريت René Magritte باعتباره احد أكثر رسّامي القرن العشرين نفوذا وتأثيرا وبوصفه جزءا لا يتجزّأ من المشهد الثقافي لعصر ما بعد الحداثة.
وفي السنوات الأخيرة اكتسبت لوحاته اهتماما متزايدا من الناس والنقاد على حدّ سواء وأصبح بعضها ايقونات وعناصر ثابتة في الثقافة الشعبية ووسائطها المختلفة.
في الموسيقى، تروق مناظر ماغريت كثيرا لمطربي البوب الذين يزيّنون بها أغلفة موسيقاهم.
وفي السينما، ظهرت لوحته المشهورة ابن الإنسان The Son of Man التي تصوّر رجلا تحجب وجهه تفاحة خضراء في أكثر من فيلم سينمائي. ووظفت لوحته الأخرى إمبراطورية النور في تصميم الملصق الدعائي للفيلم المشهور The Exorcist أو طارد الأرواح.
وفي احد الأوقات ألف ميشيل فوكو، الفيلسوف والناقد الفرنسي، كتابا استوحى عنوانه من لوحة ماغريت "خيانة الصور: هذا ليس غليونا" ناقش فيه دلالات وإسقاطات اللوحة من منظور لغوي وتاريخي وابستيمولوجي وبصري.
وحتى وقت قريب كانت الخطوط الجوية البلجيكية "سابينا" تضع لوحته المسمّاة طائر السماء Sky Bird شعارا لطائراتها.
ولزمن طويل ظلت الطبيعة الغامضة لفنّ ماغريت تفتن أجيالا من الفنانين الذين تأثروا بلوحاته ونفخوا في أعمالهم نفحة من روحه.
وحتى النحّاتين ومخرجي الأفلام السينمائية ومصمّمي الغرافيكس والإعلانات الدعائية ما يزالون يجدون في أعمال ماغريت منجما غنيّا يستلهمون منه الأفكار والأساليب الفنية والإبداعية المتجدّدة.
ويمكن القول أن كلّ حجر معلق في الهواء، وكلّ جسم متحوّل، وكلّ عبارة طافية، وكلّ غيمة ثلجية بيضاء تدين بالكثير من الفضل لرينيه ماغريت.
الموضوع التالي يستعرض جوانب من حياة ماغريت ونماذج من أشهر لوحاته..



******

"من السهل أن تنظر إلى العالم من نافذة واحدة".
خطرت هذه الفكرة لـ رينيه ماغريت بينما كان يجاهد لإغماض عينيه اتقاء أشعّة الشمس المتوهّجة. كان قد بدأ يفكّر في انه ليس أمامه من بديل آخر بعد أن اختبر طويلا كلّ الخيارات الممكنة في حياته.
كان دائما يفعل كلّ ما في وسعه لإبقاء كل الأبواب مفتوحة.
كان ماغريت من ذلك النوع من الأشخاص الذين يفضّلون أن يتذوّقوا كلّ نوع من أنواع الشوكولاته الموضوعة على المائدة ولا يكتفون بقطعة واحدة من الكعكة الكبيرة.
لكن المشكلة هي أن الحياة ليست ببساطة قطعة الكعك، كما أن العالم الذي يعيش فيه كان سيبدو ابسط كثيرا لو أن رينيه اختار تلك الشريحة الصغيرة.
انه حتى لا يعرف كيف يريدها أن تكون: دسمة، صلبة، ليّنة، مستوية، مستديرة، بكثير من السكر، بقليل من الملح، بكثير من المكسّرات أم بالقليل منها.
كان يعرف ما لا يريد لكنه كان يجهل كليا ما الذي يرغبه.
وقد نقل عنه انه قال ذات مرّة: إن كل شيء نراه يخفي خلفه شيئا آخر، والإنسان توّاق بطبيعته لمعرفة ما لا يراه. وإذا كان الحلم ترجمة للحياة الواعية فإن الحياة الواعية هي ترجمة للحلم. إننا نعيش في عالم يخدعنا، وفهمنا له غامض ومشوّش. لذا فإن الأحلام والخيال هما سبيلنا إلى العيش في عالم له معنى".
ولطالما عبّر ماغريت عن افتتانه بالعلاقة التبادلية بين الكلمات والصور وإيمانه بأن العنصرين يمكن أن يكونا أحيانا بلا معنى. يقول: لا يمكننا فصل الغموض عن أي شيء، وإذا فعلنا ذلك نكون قد أسأنا فهم الشيء وجرّدناه من جوهره".
في لوحته خيانة الصور The Treachery of Images، وهي أشهر أعماله وأكثرها رواجا، رسم ماغريت بطريقة واقعية محكمة تقترب من الصورة الفوتوغرافية رقعة يتوسّطها غليون. وفي أسفل اللوحة كتب بالفرنسية "هذا ليس غليونا"، في إشارة إلى أن الصورة مهما كانت درجة واقعيتها فإنها لا تنقل الواقع كما هو.
فصورة غليون لا تكفي لأن نمسك به أو نملأه بالتبغ ناهيك عن أن نستطيع تدخينه.
إن ماغريت يؤكّد على أن الصورة ليست حقيقة وإنما هي في النهاية تمثيل لرمز، وأن ما نراه في الواقع لا يعدو كونه انعكاسا لأنفسنا ولأفكارنا وخيالاتنا الخاصّة.
وبناءً عليه لا يجب أن نخلط ما بين الصورة وبين الرمز الذي تمثله.
وفي اللوحة إشارة ضمنية إلى محدودية إدراكنا للعالم الواقعي وقابلية أدمغتنا لان يتم التأثير فيها والسيطرة عليها.



وفي لوحة المرآة المزيّفة The False Mirror يتناول ماغريت فكرة العلاقة بين الداخل والخارج.
اللوحة تصوّر عيناً تنتشر على مساحتها غيوم بيضاء وسماء زرقاء. إنها العين الذكية التي ترى العالم بالعقل والإدراك.
هل نرى العالم كما هو فعلا أم أننا نرسم للواقع صورة مزيّفة على شاشة عقلنا الباطن؟
وكيف تلوّن اللغة ما نراه؟
هذه هي الأسئلة والإشكاليات التي يطرحها ماغريت في الكثير من لوحاته.
إن العين لا تعدو كونها مرآة ذات بعد واحد. لذا بدلا من النظر إلى الروح؛ إلى الفضاء الداخلي للعقل والنفس، فإنك في الواقع إنما تنظر إلى انعكاس نفسك.
إن العين، بحسب ماغريت، ليست أكثر من مرآة مزيّفة لأنها لا تستطيع حتى أن ترى نفسها. وإدراك الإنسان هو مثل المرآة المزيّفة التي تتلقى الأشعة بلا انتظام، فتزيل وتعدّل وتشوّه الألوان الطبيعية للأشياء من خلال مزج طبيعتها الخاصة فيها.
والعين، بهذا المعنى، لا تبرز الجانب المقابل من الواقع مثلما تفعل المرآة الحقيقية، لكنها فقط تظهر الغيوم التي تمرّ أمام سماء العقل الزرقاء.



ممّا يؤثر عن ماغريت قوله: عندما نلوي تفكيرنا ونحرفه عن مساره فإننا نميل إلى تحويل ما هو غريب إلى مألوف. وأنا أريد أن أعيد للمألوف غرابته".
ومن اجل تجسيد هذه الفكرة، ابتكر الفنان الواقع المزدوج للصور بإضافة حمولات من الشعر والغموض إليها. وغايته كانت أن يخلق فنا عن وجود لا نعرفه.
لكن هل اللغة البصرية قادرة حقا على كشف غموض الوجود؟
برأي ماغريت أن الرسم لا يمكنه الوصول إلى حيث يمكن أن يصل الشعر والفكر.
وكان دائما يردّد مقولة بعض كبار الشعراء من أن اللغة عندما تصل إلى "الأفق الخطير"، أي عندما تتحوّل إلى "لا لغة" فإنها تلتقط ما لا يمكن بلوغه أو إدراكه.



من أجمل أعمال ماغريت وأكثرها انتشارا لوحته امبراطورية النور The Empire of Light .
ولأوّل وهلة لا تتبيّن للناظر المفارقة التي تتضمّنها اللوحة. لكن عندما يتمعّن في تفاصيلها سرعان ما يكتشف أن المنظر الليلي الذي لا يخلو من شاعرية تعلوه سماء نهارية. أي أننا إزاء ليل ونهار في نفس الوقت.
طبعا مثل هذا العالم لا يوجد سوى في الخيال. لكن ماغريت مغرم كثيرا بتصوير المتضادّات والثنائيات والجمع بينها تحت سقف واحد.
ومع ذلك فالعالم المحسوس يشير إلى أن التقاء الأضداد أمر ممكن فعلا، وهذه هي الفكرة التي يريد ماغريت إيصالها.
بعض الناس، مثلا، كثيرا ما يساورهم شعور غامض أنهم رغم كونهم سعداء فإنهم يشعرون بحزن لا يعرفون بواعثه وأسبابه.
وهناك من الناس من قد يبكي لفرط إحساسه بالفرح والنشوة.
وهناك النظرية التي تقرن اللذة بالألم. ومن الناس من يعتبر العبقرية والجنون وجهين لعملة واحدة .
ومن الحقائق التي أكدّها علماء النفس أن في المرأة بعض سمات الرجل وعند الرجل بعض خصائص المرأة النفسية والشعورية. أي أن هناك جزءا مهمّا في أنفسنا لا نلمسه ولا ندركه لأن العقل الباطن ينكره أو يقمعه.
إمبراطورية النور هي نموذج لعالم ماغريت الذي تتداخل فيه الثنائيات؛ كالليل والنهار، والحياة والموت، والرجل والمرأة، والأفقي والعمودي، والمادي أو الأرضي مقابل السماوي والمقدّس .. إلى آخره.
ومن الملاحظ أن ضربات الفرشاة الناعمة في اللوحة تعطيها مظهر الصورة الفوتوغرافية، كما أن الناظر إليها يخيّل إليه انه يطلّ على المنظر من نافذة بسبب تأثيرات البعد الثلاثي فيها.
ويقال بالمناسبة انه ليس بوسع أيّة ماسحة ضوئية أو آلة تصوير نقل جمال وسحر تأثيرات الضوء التي أودعها ماغريت في امبراطورية النور، وأن رؤية نسخة منها تختلف كثيرا عمّا لو قدّر للشخص أن يرى اللوحة الأصلية الموجودة اليوم في متحف بروكسيل للفنّ الحديث.



إن الكثير من لوحات ماغريت هي بمعنى من المعاني كشوفات فلسفية ونفسية وشعرية وتأمّلية للغة والإدراك من خلال محاولة إعادة اكتشاف العوالم الداخلية والخارجية واقتراح تفسيرات جديدة للعلاقات والأبعاد والافتراضات والتناقضات التي تحكم الحالة الإنسانية.
في العام 1934 رسم ماغريت سلسلة من اللوحات التي اختار لها اسما واحدا هو الحالة الإنسانية The Human Condition.
في ذلك الوقت كان ما يزال يعكف على اكتشاف فكرة الداخل والخارج.
وفي إحدى هذه اللوحات نرى رقعة رسم أمام نافذة زجاجية وخلفها منظر طبيعي. والناظر إلى اللوحة لا يستطيع تبيّن ما إذا كانت الطبيعة داخل الغرفة، أي على رقعة الرسم، أم خارجها، لان الشجر والغيم والغابة يمكن أن تكون في الداخل والخارج بنفس الوقت.
وقد أراد ماغريت من وراء رسمه سلسلة لوحات الحالة الإنسانية أن يقدّم مثالا على التناقض بين فراغ الأبعاد الثلاثة ومحدودية رقعة الرسم ذات البعدين. وعنوان اللوحة يشير إلى العلاقة بين البشر وتلك التناقضات باعتبارها جزءا من الحالة الإنسانية العامّة.



في عالم ماغريت يظهر الأشخاص بهيئة موظفي المكاتب في خمسينات القرن الماضي. فهم بورجوازيون تعلو رؤوسهم قبّعات اسطوانية سوداء وتطوّق أجسادهم بدلات ضيّقة محكمة الأزرار. وهم محصورون داخل ما يشبه غابة من الحجارة الصلدة الباردة، لكنهم ما يزالون يحتفظون بجزء مهم من إنسانيتهم يتمثل في قدرتهم على التخيّل. فهم يتمتعون بخيال خصب وأرواحهم تحلق عاليا مثل حمامات بيضاء.
وفي غالب الأحيان تكون ملامح الأشخاص محجوبة عنا أو أننا لا نرى منهم سوى ظهورهم، الأمر الذي يوحي بأنهم إما منشغلون بالنظر إلى المستقبل أو أنهم لا يعبئون بالماضي أو أن فكرتهم عن العالم مقتصرة فحسب على ما يرونه أمامهم.



ومعظم لوحات ماغريت تنطوي على مفاهيم بصرية وفكرية وفلسفية مثيرة للاهتمام. ويصعب في الكثير من الأحيان الفصل بين الكوميديا والشعر والغموض والظلام في أعماله.
وهو مغرم كثيرا باختيار أسماء غريبة للوحاته لا تتفق مع تفسير الدماغ للتجربة البصرية التي يستقبلها المتلقي، وتلك قد تكون حيلة يعزّز من خلالها غموض اللوحة لكي يوسّع مضامينها ودلالاتها.
كما أن أسماء اللوحات ليست وصفية بل تختزن دلالاتها الكامنة فيها. ومع ذلك فالعلاقة بين العنوان والصورة لا تخلو من شاعرية.
ويظهر أن الفنان يوظف، بإحكام، غموض هذين العنصرين ليمارس هوايته المفضلة في التلاعب بالدلالات المزدوجة والمتداخلة للكلمات والصور. وهو أثناء ذلك لا يتوانى عن قلب مفاهيم النسبية والفراغ والزمن والجاذبية والمنظور رأسا على عقب.
في لوحة الغابة The Forest ، مثلا، يرسم ماغريت لوحة ذات تفاصيل تمثالية. وفيها نرى تمثالا نصفيا يستند على قاعدة اسطوانية بنّية اللون، وفي الخلفية ستارة وجدار.
لكن ليس في اللوحة ما يدلّ على العنوان باستثناء أن ملامح التمثال تتخللها فروع شجرة.



وفي قلعة البيرينيه The Castle of the Pyrenees يفاجئنا ماغريت بمنظر لحجر ضخم معلق في الهواء تعلوه قلعة فوق بحر يثير شعورا بالأزلية.
وهناك احتمال أن يكون الفنان رسم هذا المنظر وفي ذهنه القصّة التي تتحدّث عن نيزك على هيئة بيضة عملاقة سقط من ارتفاع هائل ليشقّ طريقه نحو الأرض في صمت قبل حوالي ثلاثة بلايين عام.
وإلى هذا النيزك يعزو العلماء البدايات الأولى لنشوء الحياة على الأرض.
اللوحة تعطي إحساسا بالجلال والغموض وتتحدّى بوضوح قوانين الزمن والجاذبية.
أما البيضة فقد كانت دائما من الموتيفات المفضّلة عند ماغريت، فهي الحاضنة للحياة وهي مصدر الخصوبة واستمرار وبقاء النوع.

Tuesday, May 13, 2008

آنا نيتريبكو: المرأة .. الصوت

لمع نجم السوبرانو الروسية آنا نيتريبكو AnnaNetrebko.com بقوّة خلال السنتين الأخيرتين. بل إن مجلة التايم اختارتها العام الماضي كواحدة من الشخصيات المائة الأكثر شهرة ونفوذا في العالم اليوم.
وهناك من يشبّه صوتها وأداءها وحضورها بماريا كالاس، رغم أن هذا التشبيه لا يروق لـ نيتريبكو كثيرا إذ أنها تريد أن تكون هي نفسها فحسب.
يتميّز صوت آنا نيتريبكو بقوّته وثرائه وعمقه الدرامي. ويقول بعض النقاد إنها تنتمي إلى جيل جديد من مغنيات الأوبرا اللاتي يطمحن إلى كسر نخبوية هذا الفنّ وجعله قريبا من موسيقى البوب لاجتذاب الأجيال الشابّة لسماعه والاستمتاع به.
من أجمل القطع الاوبرالية التي برعت نيتريبكو في أدائها هذا المقطع الشهير بعنوان O Mio Babbino Caro "يا والدي العزيز"، والمأخوذ من أوبرا جياني سكيتشي للموسيقي الايطالي جياكومو بوتشيني.
عزفت هذه القطعة مرّات كثيرة على شكل موسيقى بتوزيعات مختلفة، كما أدّتها العديد من مغنّيات الأوبرا المشهورات مثل ماريا كالاس ومونسيرات كابالي وانجيلا جيورجيو وسارا برايتمان، بالإضافة إلى كل من شارلوت تشيرش ورينيه فليمنغ اللتين يمكن سماع أدائهما لهذا المقطع هنـا ..

Wednesday, May 07, 2008

مائدة، كرسي، طبق فاكهة وآلة كمَان

لماذا إذا تهيّأت للنوم يأتي الكمان؟!
فأصغي آتياً من مكان بعيد
فتصمت همهمة الريح خلف الشبابيك
نبض الوسادة في أذني
تتراجع دقّات قلبي
وأرحل في مدن لم أزرها
شوارعها فضّة
وبناياتها من خيوط الأشعّة
ألقى التي واعدتني على ضفّة النهر واقفة
وعلى كتفيها يحطّ اليمام الغريب
- أمـل دنقـل

******

عندما يتعلق الأمر بالموسيقى، لا صوت يطربني ويثير مخيّلتي مثل امتزاج آلتي الكمان والبيانو. لكنْ لو كان لي أن اختار آلة مفردة لما تردّدت في اختيار الكمان، لأنني مع من يقول إن الكمان هو الرمز الأسمى لأناقة الموسيقى وجمال الطبيعة معا. الكمان قريب جدّا من المشاعر وهو اقرب الآلات الموسيقية شبها بصوت الإنسان.
وقد قرأت ذات مرّة أن بدايات ظهور هذه الآلة تعود إلى القرن التاسع الميلادي. ويقال انه أتى من آسيا وان الأتراك والمغول قد يكونون أوّل من عرف الكمان في التاريخ، وكانوا يصنعون أوتاره من شعر ذيل الحصان.
وما لبث الكمان أن انتشر إلى الصين والهند وبلدان الشرق الأوسط. وطبعا كان شكل الآلة آنذاك بدائيا وبسيطا. وقد استغرق الأمر خمسة قرون كاملة قبل أن تصل هذه الآلة إلى شكلها الحالي والمتعارف عليه.
التغيير الجذري الذي طرأ على شكل الكمان وعلى تطوّر إمكانياته تحقّق في مدينة ميلان الايطالية (ويقال في البندقية) حوالي بدايات القرن السادس عشر.
ويشار إلى أن أول عازف كمان مشهور كان الايطالي اندريا اماتي Andrea Amati الذي يرجع إليه الفضل أيضا في صنع أول آلة كمان بشكلها الحديث والمعروف.
وأشهر ماركات الكمان في العالم هي ستراديفاريوس Stradivarius وأماتي Amati وغارنييري Guarnieri، وهي أسماء لصنّاع ايطاليين برعوا منذ قرون في صناعة الكمان واستخدامه. وأشهر العازفين اليوم يفضّلون اقتناء هذه الأنواع من الكمان المعروفة بغلاء أسعارها وبأدائها العالي وجودة النغمات التي تصدرها.
وفي مناسبات مختلفة بيع بعض هذه الآلات، لشهرتها ولقدم صنعها، بأكثر من مليون جنيه استرليني، في حين لا يكلف أغلى وأجود نوع حديث أكثر من عشرة آلاف دولار.
ولأن بدايات الكمان الحقيقية ارتبطت بايطاليا، لم يكن غريبا أن يصبح نيكولو باغانيني Nicolò Paganini الايطالي أشهر عازف كمان في تاريخ الموسيقى كله.
ويقال انه كان لمهارته يستخدم كلتا يديه في العزف كما كان بارعا في العزف على وتر واحد في حال انقطعت الأوتار الثلاثة الأخرى. وقد أصبح تقليدا شائعا منذ ذلك الوقت أن يحتفظ العازف في جيبه بوتر اضافي تفاديا لانقطاع احد الأوتار.
وفي زمن باغانيني، وأيضا فيفالدي Vivaldi، كان الكمان مرتبطا بالطبقة الراقية وبفئة النبلاء والارستقراطيين.
اليوم ثمّة ملاحظة جديرة بالاهتمام تتعلق بهذه الطفرة الكبيرة التي نراها الآن في عدد النساء اللاتي يعزفن الكمان بعد أن كان في الماضي عملا يختصّ به الرجال وحدهم. والكثير من هؤلاء العازفات لا تنقصهن البراعة ولا الجاذبية، وهذه الصفة الأخيرة تعتبر عاملا مهمّا جدّا لا تغفل عنه شركات التسجيل ولا منظمو الحفلات الموسيقية.
وهناك من يقول إن معظم الأسماء الكبيرة اليوم في مجال العزف على الكمان هي لنساء. ويتساءلون هل أن الأمر مجرّد مصادفة، وهل الإناث أكثر قدرة من الرجال على تحمّل الدروس الطويلة والشاقّة التي يتطلبها العزف على الآلة، أم لانّ الكمان يتميّز بصغر حجمه وبسهولة حمله من مكان لآخر دون حاجة إلى تجهيزات ثقيلة وتحضيرات معقدة؟
وهل يمكن فعلا اعتبار الكمان والبيانو والفلوت آلات أنثوية بحكم أن الأسماء البارزة والأكثر شهرة في العزف على هذه الآلات في العالم اليوم تعود لنساء؟ (بالمناسبة هناك من خبراء الموسيقى من يعتبر الأرجنتينية مارثا ارغيريتش Martha Argerich أفضل من يعزف البيانو في العالم اليوم).
وفي المقابل، هل يمكن اعتبار الغيتار والساكسوفون والآلات النحاسية آلات ذكورية على اعتبار أن الرجال هم من يتسيّدون ساحة العزف على هذه الآلات حاليا؟
لقد قرأت مؤخّرا بعض الأفكار التي لا يخلو بعضها من طرافة عن تأثير موضوع الجندر في الموسيقى.
لكن ممّا لا شكّ فيه أن إتقان العزف على الكمان بخاصّة يتطلّب مستوى عاليا من الموهبة والذكاء وسعة الخيال.
وقائمة مشاهير النساء البارعات في العزف على الكمان اليوم طويلة ولا تكاد تنتهي. وبعضهن عملن مع أشهر الفرق السيمفونية في العالم وتتلمذن على أيدي أشهر العازفين وقادة الاوركسترا من أمثال ياشا هايفيتز Jascha Heifetz وايزاك شتيرن Isaac Stern ويوجين اورماندي Eugene Ormandy ودانيال بارانبويم Daniel Barenboim وفلاديمير اشكنازي Vladimir Ashkenazy وهربرت فون كارايان Herbert von Karajan ..
والأسماء النسائية المهيمنة الآن على صناعة العزف على آلة الكمان هي امتداد للرعيل الأول من النساء الرائدات في هذا المجال مثل البولندية واندا ولكوميرسكا Wanda Wilkomirska والنمساوية ايريكا موريني Erica Morini، والأمريكية مود باول Maud Powell، والمجرية يوهانا مارتزي Johanna Martzy، والبولندية ايدا هاندل Ida Haendel، واليابانية تاكاكو نيشيزاكي Takako Nishizaki وغيرهن.
ويأتي على رأس عازفات الكمان من الجيل الجديد الألمانية آن صوفي ماتر Anne-Sophie Mutter التي تخصّصت في عزف بيتهوفن وفيفالدي وباخ وموزارت وسترافنسكي.
وعلى ذكر موزارت، لا اعتقد أنني سمعت من قبل أجمل ولا أروع من عزف آن صوفي ماتر لكونشيرتو الكمان رقم 3 الذي يعتبر ليس فقط احد أفضل أعمال موزارت وإنما احد أعظم القطع الكلاسيكية التي تم تأليفها على مرّ العصور.
ولـ صوفي ماتر طريقتها الخاصّة والمتميّزة في العزف، وهي لا تنظر إلى الجمهور إلا نادرا ولا تعيد العزف إلا في ما ندر. كما أنها تعامل في بلدها كأميرة ووريثة للعازف والمايسترو العظيم فون كارايان الذي اختارها وهي بعد في الثالثة عشرة وأجلسها معه في فرقته. وصوفي ماتر هي اليوم في الخامسة والأربعين وتجني أكثر من ثلاثة ملايين دولار سنويا مقابل الحفلات الموسيقية التي تعزف فيها، أي ضعف ما يتقاضاه أفراد اوركسترا كاملة في فرنسا أو بريطانيا.
وماتر مغرمة كثيرا بموزارت الذي تقول عنه إن تأثير موسيقاه في الروح مثل تأثير أشعّة اكس التي تشفّ الجسم وتكشف كل ما فيه.
ويظهر أن الأمريكيين بدءوا هذه الأيام يغارون من اتساع شعبية صوفي ماتر التي يرون في صعود نجمها وازدياد شعبيتها عندهم تهديدا لمكانة من يعتبرونه عازف الكمان الأول في العالم اليوم وهو الأمريكي اسحاق بيرلمان Itzhak Perlman ..
والحقيقة أن ريادة الأمريكيين في مجال العزف على الكمان وكثرة العازفين المبدعين عندهم أمر لا يمكن إنكاره. هناك مثلا العازفان الأسطوريان اسحق شتيرن ويوشا هايفيتز بالإضافة إلى كبار العازفين الأحياء أمثال جون كوريليانو John Corigliano وريجينا كارتر Regina Carter وأخيرا وليس آخرا جوشوا بيل Joshua Bell الذي يستخدم آلة كمان من نوع ستراديفاريوس يعود تاريخ صنعها إلى ما قبل ثلاثة قرون. وكان آخر أعمال جوشوا بيل اشتراكه مع زميله كوريليانو في وضع الموسيقى التصويرية للفيلم السينمائي المشهور الكمان الأحمر.
كلّ هؤلاء أمريكيون. كما أن أعظم عازف للتشيللو في العالم الآن هو الأمريكي من أصل صيني يو يو ما Yo-Yo Ma الذي اشتهر بعزفه المنفرد والمتميّز لسوناتات باخ وموسيقى دفورجاك وشوبيرت وموزارت.
بعد صوفي ماتر يأتي اسم عازفة الكمان الأمريكية من أصل كوري سارة تشانغ Sarah Chang التي تتلمذت على يد يهودي مينوهين Yehudi Menuhin الذي وصفها في إحدى المرّات بأنها أكثر عازفات الكمان روعة ومثالية وإحكاما.
ثم هناك الهولندية جانين جانسن Janine Jansen التي برعت في عزف تشايكوفسكي ومندلسون وبرامز. وبوسع زائر موقعها الاليكتروني JanineJansen.com الاستماع إلى عزفها الجميل لبعض سوناتات فيفالدي.
وهناك أيضا الأمريكية الصاعدة بقوّة هيلاري هان Hilary Hahn التي احتلّ أول ألبوماتها الذي ضمّ بعض سوناتات باخ المرتبة الأولى في قائمة التسجيلات المفضّلة طوال أسابيع. يذكر أن هيلاري هان برعت على وجه الخصوص في عزف كونشيرتو جان سيبيليوس Jean Sibelius الذي يقال انه احد أصعب القطع الموسيقية التي كتبت لآلة الكمان، وإجادته تتطلب مستوى غير عادي من التركيز الذهني والسيكولوجي.
وهناك كذلك الاسكتلندية نيكولا بينيديتي Nicola Benedetti التي تظهر في بعض صورها محتضنة آلة كمانها المصنوع في فينيسيا عام 1751 على يد بييترو غارنييري.
والقائمة تطول، لكن يمكن الإشارة في عجالة إلى بعض الأسماء النسائية الأخرى والمهمّة مثل الكندية لارا سانت جون Lara St. John، واليابانية ايكوكو كاواي Ikuko Kawai، والروسية فيكتوريا مولوفا Viktoria Mullova، والكورية كيونغ واتشونغ Kyung Wha Chung، والصينية جيو ياو Jue Yao، والبريطانية تاسمين ليتل Tasmin Little، والفنلندية ليندا لامبينيوس Linda Lampenius، والمولدوفية باتريشيا كوباتشينيسكايا Patricia Kopatchinskaja، والبريطانية السنغافورية الأصل فانيسا ماي Vanessa-Mae، والأمريكية الكورية الأصل جينيفر كو Jennifer Koh، والكندية ليلى جوزيفويتس Leila Josefowicz، واليابانية ميدوري Midori، والجورجية ليزا باتياشفيلي Lisa Batiashvili، والألمانية جوليا فيشر Julia Fischer، والنرويجية سوزان لندينغ Susanne Lundeng وسواهن.
الملاحظة الأخرى التي تلفت الانتباه هي أن معظم عازفات الكمان، وأكاد أقول جميعهن، يتميّزن بقدر عال من الجمال والجاذبية والحضور. بل لا أبالغ إن قلت إن ملامح بعضهن وطريقة لباسهن وحتى أسلوب حياتهن لا يختلف في شيء عن عارضات الأزياء والممثلات ومغنّيات البوب. وقد اكتشفت مع الأيام انه حتى الجيل الجديد من مغنّيات الأوبرا (على خلاف ما يتصوّره الكثيرون عن جدّيتهن ورصانتهن) يشتركن في هذه السمة التي تلخّص إلى حدّ ما طبيعة الأنثى وميلها الغريزي إلى إبراز جمالها وحتى التفنّن في أظهار مفاتنها للفت أنظار الجنس الآخر.
ومع ذلك لا يمكن لوم النساء وحدهن، فالموسيقيون من الرجال أيضا يبالغون في إظهار أناقتهم واهتمامهم بالشكل الخارجي. وقد قرأت مؤخّرا في هذه الجزئية بالذات رأيا لم اتأكّد من صحّته وملخّصه أن نشأة الموسيقى الكلاسيكية نفسها ومن ثم تطوّرها خلال القرنين الأخيرين كان قائما على فكرة التقاطع ما بين الفن والجنس (أي الذكورة في مقابل الأنوثة)، وأن عددا كبيرا من المؤلفين الموسيقيين من الرجال كانوا حريصين دائما على تقمّص نموذج شخصية اللورد بايرون في محاولة لخطب ودّ النساء والتقرّب منهن.
وبعض قادة الاوركسترا الكبار كانوا يعمدون إلى ترتيب ديكور حفلاتهم بحيث يكون الضوء مركّزا على شعورهم الطويلة اللامعة للفت أنظار النساء ونيل إعجابهن.
ومن العبارات المنسوبة إلى باغانيني قوله: لست بالرجل الوسيم، لكن عندما تسمعني النساء وأنا اعزف، سرعان ما يأتين إليّ زحفا ويجثين عند قدمي".
وضمن هذه الإطار يقال إن الموسيقي فرانز ليست Franz Liszt كان مضرب المثل في جماله ووسامته، كما كان أشهر عاشق في أوربّا في زمانه وأعظم عازف بيانو في تاريخ الموسيقى كله. وكانت النساء تتقاتلن من اجل الحصول على أعقاب السجائر التي كان يتركها على البيانو بعد الحفلات الموسيقية التي كان يحييها.
إن تزايد أعداد النساء اللاتي برزن بقوّة في مجال العزف على الكمان في السنوات الأخيرة يرقى إلى اعتباره ظاهرة يمكن أن تكون تعبيرا عن عمق التغيير الاجتماعي والأدوار المتغيّرة في المجتمعات الغربية على صعيد الجندر.
وهناك ثمّة من يقول إن عازفات الكمان هذه الأيام، مع الاعتراف ببراعتهن وإتقانهن، تعوزهنّ العضلات خاصّة عندما يتعاملن مع بعض أعمال مندلسون وبيتهوفن وتشايكوفسكي التي تتّسم بإيقاعاتها وضرباتها القويّة والفجائية والسريعة. وفي الغالب يأتي عزفهن رقيقا ورفيعا وبطيئا، وأحيانا تتحوّل الموسيقى المجلجلة والصاخبة في أصابع بعض العازفات إلى قطع تأمّلية وشاعرية يخيّل لمن يسمعها أنها آتية من عوالم وفضاءات أخرى.


Music: Bill Douglas - A Place Called Morning ‎