Wednesday, January 25, 2012

من صندوق البريد


  • القارئ محمد عبدالله بعث بتعليق ضمّنه رابطا للوحة. يقول: هل سبق وأن كتبت عن هذه اللوحة في مدوّنه لوحات عالمية؟ بحثت عندك ولم أجد شيئا. وأتمنّى أن تكتب عنها وأن تخصّص لها موضوعا في المستقبل".
    واللوحة التي يتحدّث عنها القارئ الكريم عنوانها استسلام غرناطة لرسّام اسباني اسمه فرانشيسكو براديللا اورتيز. وهي تصوّر آخر ملوك الطوائف في الأندلس أبي عبدالله الصغير في مواجهة الملك الاسباني فرديناند وزوجته الملكة ايزابيللا اللذين يظهران وقد أحاطت بهما الرايات والفرسان تمهيدا لتسلّمهما مفاتيح مدينة غرناطة بعد استسلامها.
    وملاحظة القارئ في محلّها. فاللوحة غير مدرجة في مدوّنة اللوحات العالمية. وعلى كلّ حال، هي غير معروفة كثيرا، وكذلك الفنّان الذي رسمها. ومع ذلك، أعده بأن اقرأ المزيد عن الرسّام وعن اللوحة لعلّ فيها بعض ما يغري بالكتابة عنها مستقبلا. مع شكري الجزيل له.

  • القارئ Autonomous بعث بتعليق يقول فيه: لديّ سؤال بخصوص اللوحات التي تضعها بالمدوّنة. لاحظت أن جودتها عالية. لكنّي عند البحث عن لوحات معيّنة لا أجد نسخا منها بمثل هذه الجودة. هل هناك مواقع معيّنة تنصحني بها أستطيع أن أجد فيها لوحات بجودة عالية وأحجام كبيرة شرط أن تدعم خاصّية الحفظ في الجهاز".
    وأقول للقارئ الكريم إن العثور على صور أو لوحات بجودة عالية يعتمد على طريقة البحث عنها. والحقيقة انه بشيء من الجهد تستطيع أن تعثر على ما تريد.
    مثلا، عندما لا أجد نسخة من لوحة ما أكون راضيا عن جودتها، أقوم بالبحث عنها باستخدام اسم الرسّام مترجما للغة البلد الذي ينتمي إليه. وفي معظم الحالات أوفّق في العثور على نسخ واضحة. على سبيل المثال، عند البحث عن لوحة لـ تشن ييفي Chen Yifei، وهو رسّام صيني، أحاول أوّلا أن اعرف كيف يُكتب اسمه بالصينية. غوغل ترانزليت سيخبرك أن اسم الرسّام باللغة الصينية يُكتب هكذا 陈逸飞، وما عليك بعدها إلا أن تضع الاسم في خانة البحث في محرّك غوغل الصوري لتحصل على الكثير من نسخ لوحات هذا الرسّام من مواقع صينية وبجودة عالية. وبنفس الطريقة، ستكتشف أن اسم الرسّام الروسي كونستانتين سوموف Konstantin Somov يُكتب هكذا константин сомов باللغة الروسية. وعندما تبحث عن لوحاته باستخدام اسمه بالروسية ستجد الكثير منها بدرجة وضوح عالية.
    ولأن تهجئة الأسماء باللغات اللاتينية متشابهة تقريبا، فما عليك عند البحث عن لوحة لـ بيكاسو، مثلا، إلا أن تُتبع اسمه في خانة البحث بكلمة pintura التي تعني لوحة أو رسم بالاسبانية. والنتيجة هي أن بحثك عن لوحات بيكاسو يكون مقتصرا على المواقع الاسبانية أو تلك الناطقة بهذه اللغة دون غيرها. أرجو أن تكون الفكرة قد وصلت. مع شكري الجزيل لك.

  • قارئ آخر اغفل كتابة اسمه كتب تعليقا يقول فيه: لماذا تكتفي بالقول إن الموضوع مترجم دون أن تذكر اسم الكاتب أو المصدر مع أن هذا من شانه أن يفيد القارئ الحريص على أن يقرأ من المصدر الأساسي، كما أن في الإشارة إلى المصدر حفظا لحقوق الآخرين الأدبية"؟.
    وأريد أوّلا أن اشكر القارئ الكريم على ملاحظته. كما ألفت انتباهه إلى أن الموضوع المترجم هو في الغالب خلاصة لآراء وأفكار متعدّدة، ما يجعل الإشارة إلى مصدر واحد مهمّة صعبة. أحيانا اقرأ ثلاثة أو أربعة مقالات عن نفس الموضوع. وما يحدث عادة هو أنني أدوّن ملاحظات عن الأفكار التي تثير اهتمامي وأعتقد أنها قد تشدّ انتباه القارئ أيضا. وخلاصة هذه الأفكار مجتمعة هي ما يُنشر في النهاية. والإشارة إلى أن الموضوع مترجم تكفي بحدّ ذاتها لأن تبعد عن المدوّن مظنّة انه ينسب شيئا إلى نفسه. وأظنّ انك توافقني الرأي على أن المهم في نهاية الأمر هو أن يجد القارئ في ما يُنشر بعض المتعة والفائدة.

  • القارئ رجائي موسى: شكرا جزيلا لك على كلماتك الطيّبة وأهلا ومرحبا بك دائما.

  • القارئة حنان م. بعثت تعليقا طويلا حول مضمون المدوّنة الفنّية وأبدت عدّة ملاحظات لا يخلو أكثرها من وجاهة. تقول، مثلا، أنها لاحظت أنني ظلمت الرسّام جان ليون جيروم المشهور بلوحاته الاستشراقية، عندما اكتفيت بالإشارة إلى لوحة واحدة له، في حين أن الكثير من أعماله يستحقّ التنويه. كما انه، والكلام للقارئة، أشهر من ديلاكروا. ثم تتساءل عن قصّة لوحة جيروم "عرب يعبرون الصحراء" وعن رأيي في اللوحة.
    وأنا اشكر القارئة الكريمة على ملاحظاتها، وأظنّ أن ما ذكرته عن جان ليون جيروم صحيح إلى حدّ كبير. أما مسألة أن جيروم أهمّ أو أشهر من ديلاكروا فأمر لا استطيع تأكيده أو نفيه لأنني بصدق لا اعرف.
    بالنسبة للوحة عرب يعبرون الصحراء، اعتقد أن الفنّان الفرنسي رسمها عندما عاد إلى باريس من رحلة إلى بلدان الشرق الأوسط استغرقت أربعة أشهر ورافقه خلالها عدد من أصدقائه. وقد أقام لبعض الوقت في الإسكندرية وصحراء سيناء والقاهرة والعقبة والبتراء، بالإضافة إلى مدينتي يافا والقدس التي قابل فيها رسّاما أمريكيا مشهورا، هو الآخر، كان قد سبقه إلى هناك هو فريدريك تشيرش. وخلال تلك الرحلة تعلّم جيروم شيئا من العربية واطّلع على بعض عادات أهل الحواضر التي زارها. وعندما عاد إلى باريس رسم من الذاكرة الكثير من المناظر التي رآها خلال رحلته. ويبدو انه رأى ذلك المنظر الذي تُصوّره اللوحة في مكان ما من الصحراء التي سافر عبرها وشاهد فيها الكثير من القوافل والجمال والبدو الرحّل. الغريب أن جيروم لم يرسم أيّا من لوحاته أثناء رحلته المشرقية أو في الأماكن التي زارها. حتّى تلك المناظر التي تظهر فيها نساء مستحمّات في غرف مزيّنة بالنوافير والبلاط الشرقي الملوّن رسمها أثناء إقامته في لندن وبنى تفاصيلها على ما كان يسمعه من روايات تدور على ألسنة الناس الذين التقاهم خلال تلك الرحلة.

  • القارئ ايفيان كتب يقول: أنا شابّ سوري عمري 24 سنة وأهوى الرسم. أتابع مدوّنتكم الشخصية منذ قرابة العام. وقد استفدت منها كثيرا. كما أنني املك منتدى يهتمّ بالفنّ التشكيلي وأتمنّى لو تسجّلون في المنتدى حتى نتمكّن معا من إثراء مضمونه. وبإمكانك أن تعرّف نفسك على انك صاحب مدوّنة لوحات عالمية".
    اشكر القارئ الكريم على مشاعره الطيّبة. وأعده بتحقيق ما طلب في القريب العاجل. ويمكن للمهتمّين زيارة المنتدى المذكور على هذا الرابط rojavaart.com
  • Sunday, January 22, 2012

    ساتي: جيمنوبيدي رقم واحد


    كان ايريك ساتي (1866-1925) احد الروّاد الذين أسهموا في تطوير الموسيقى الحديثة. ومجموعته من القطع الموسيقية ذات الأسماء الغريبة التي ألّفها للبيانو اعتُبرت طليعية. كما أنها أفسحت المجال لظهور الموسيقى الانطباعية والكلاسيكية الجديدة والتقليلية والمحيطية.
    في حيّ مونمارتر، كان الناس يعرفونه بملابسه الرمادية وبنظّاراته الغريبة وقبّعته الطويلة السوداء.
    حبّ ايريك ساتي الوحيد كان الموسيقى. لكنه كان يختنق بالتقاليد الموسيقية السائدة. وهو لم يكن يشير إلى نفسه كموسيقيّ، بل كخبير في قياس الأصوات. كما انه صاحب القول الساخر المشهور: كلّما عرفت البشر أكثر، كلّما ازداد إعجابي بالكلاب".
    وقد قيل إن لموسيقى ساتي نكهة شمبانيا فريدريك شوبان ومرارة نبيذ يوهانس برامز. وقال آخرون إن من يستمع إلى موسيقاه لا بدّ وأن يتخيّل أن من ألّفها "إنسان متوحّش يتمتّع بذائقة سليمة". كان من بين أصدقائه كلود ديبوسي وجان كوكتو وبابلو بيكاسو وايغور سترافنسكي. وكان هؤلاء سببا في إلهامه بعض قطعه الموسيقية الخالدة.
    أشهر مؤلّفات ساتي هي مقطوعته التي وضعها للبيانو والمسمّاة جيمنوبيدي رقم واحد. وجيمنوبيدي كلمة يونانية قديمة تشير إلى الأجواء الطقوسية التي يصاحبها رقص وموسيقى. ومنذ ظهورها، استُخدمت هذه المعزوفة كثيرا في البرامج الوثائقية ومسلسلات الدراما.
    جانب من المتعة التي يوفّرها سماع هذه القطعة يتمثّل في أنها تثير في النفس مشاعر مختلفة ومتباينة: حزن، حيرة، شكّ، خواء، تعبير عن خطى متردّدة وكلمات متعثّرة على اللسان. لكن الموسيقى تظلّ جميلة. كما أن إيقاعها من ذلك النوع الذي تألفه الأذن بسرعة.
    ولد ايريك ساتي عام 1866م في بلدة آركوي الواقعة على ميناء اونفلور. وقد ارتبط ذلك المكان ببواكير ظهور الحركة الانطباعية في الرسم.
    وفي مطلع شبابه، ذهب إلى كونسيرفاتوار باريس ليتلقّى دروسا في نظرية الموسيقى. لكن لم يطل به المقام هناك. فقد تمّ طرده من المعهد بعد أن اعتُبر طالبا كسولا ومنعدم الموهبة.
    وانتقل بعد ذلك إلى حيّ مونمارتر الذي كان ملتقى للفنّانين البوهيميين في باريس. وعمل هناك كملحّن رسمي لإحدى الطوائف الصوفية. ثم التحق بطائفة دينية أخرى وبدأ يؤلّف لها أناشيد وترانيم دينية.
    وبعد فترة عاد للدراسة في الكونسيرفاتوار. وفي هذه المرّة حالفه النجاح وتخرّج من المعهد بشهادة.

    الأفكار التي كان يعبّر عنها ايريك ساتي في موسيقاه كانت تتداخل مع أفكار بعض معاصريه من الفنّّانين من أمثال كلود دييوسي وبابلو بيكاسو وجورج بْراك ومارسيل دُوشان وجان كوكتو وتولوز لوتريك.
    ويعود الفضل في اكتشافه إلى موريس رافيل وأتباعه الذين شجّعوه وأخرجوه من دائرة الفقر والنسيان. وقد وصفه رافيل بأنه مؤلّف موسيقي لا تنقصه الموهبة وروح الابتكار.
    ألّف ساتي موسيقى جيمنوبيدي في باريس عام 1888م. وهي تتألّف من ثلاث قطع على البيانو، أشهرها الأولى. لكنها جميعا تشترك في نفس البناء والفكرة. كانت هذه الموسيقى تتحدّى التقاليد الموسيقية الكلاسيكية في زمانها. والكثيرون رأوا فيها مؤشّرا على ولادة الموسيقى الحديثة.
    في مونمارتر، كان ساتي يتصرّف بطريقة عصرية. وكان يلقّب بالمخملي المحترم لأنه لم يكن يرتدي سوى ملابس من المخمل الرمادي. كان يكره الشمس. ودائما ما كان يحمل مظلّة أثناء رحلاته اليومية إلى باريس التي كان يقطعها مشيا.
    الغموض الذي كان ساتي يحيط به شخصيته ما يزال إلى اليوم يلقي بظلاله على مساهماته وانجازاته الموسيقية. وقد ارتبط في شبابه بعلاقة عاطفية مع الموديل المشهورة سوزان فالادون التي كانت على وشك أن تتحوّل إلى رسّامة. كما عُرف عنه شغفه بالأفكار الاشتراكية وانخراطه في الحزب الشيوعي الفرنسي.
    الجانب الفكاهي من شخصية ساتي كشف عنه في ما اسماه بـ "القطع الباردة". وهي مجموعة من المعزوفات الموسيقية التي اختار لها عناوين هزلية أراد من خلالها أن يسخر من الرومانسيين الذي كانوا يطلقون على أعمالهم عناوين فخمة.
    توفّي ايريك ساتي بعد إصابته بتليّف الكبد عام 1925 عن تسعة وخمسين عاما. وعندما دخل مجموعة من أصدقائه غرفته التي عاش فيها وحيدا لمدّة سبعة وعشرين عاما، وجدوا سريرا وكرسيّا وطاولة وآلتي بيانو مكسورتين ومئات الرسومات الصغيرة وعشرات المظلات وأكوام متربة من الدفاتر والصحف القديمة، بالإضافة إلى البورتريه الذي رسمته له فالادون أثناء علاقتهما.
    جيمنوبيدي رقم واحد موسيقى جميلة وناعمة، رغم غرابتها إلى حدّ ما. أنغامها تبدو متنافرة بشكل خفيف، ولكن متعمّد، كي تخلق تأثيرا لاذعا يوحي بقدر من السوداوية والحزن. والكثيرون يفضّلون الاستماع إليها في آخر الليل لأنها توفّر مزاجا أفضل للتفكير والتأمّل. وقد تمّ توظيفها في أكثر من فيلم سينمائي كان آخرها فيلم الخمار المرسوم.
    ومن أشهر أعمال ساتي الأخرى غنوسيان رقم 1، وهي واحدة من سبع قطع تحمل نفس الاسم المشتقّ هو أيضا من اليونانية القديمة، والذي يرمز إلى الارتقاء الروحي عن طريق الشكّ والمعرفة الباطنية. "مترجم".

    Thursday, January 12, 2012

    رحلة إلى شُطآن الليل

    في العالم القديم، كان الليل يمثّل عنصرا مخيفاً. أحيانا كان يرمز للخوف، وأحيانا أخرى للغموض. وقد استمرّت هذه الفكرة طوال قرون. لكن أصبح للّيل أهمية خاصّة عند الرومانسيين. كانوا يربطونه بالأفكار المتسامية والنبيلة بما يتضمّنه من ذلك المزيج الفاتن من عناصر الجمال والغموض وقوى ما فوق الطبيعة.
    الرؤى المرتبطة بالليل تغيّرت على مرّ العصور. الرسّامون الواقعيون كانوا يرسمونه في طبيعة نقيّة. وكانت رسوماتهم تثير أجواءً من التأمّل والاستبطان الحزين. الفنّانون الحداثيون رسموا الليل انطلاقا من الطبيعة الحضرية وحياة المدن وما تضجّ به من ضروب المتعة والتسلية.


    الفنّان الروسي من أصل يوناني ارشيب كوينجي رسم الليل في واحدة من أكثر اللوحات شهرة في تاريخ الرسم والتي اكتسب الرسّام بفضلها شهرة أسطورية. اسم اللوحة ليلة مقمرة على ضفاف نهر الدنيبر. وقد رسمها في العام 1882م.
    عندما عرض الرسّام هذه اللوحة لأوّل مرّة في سانت بطرسبيرغ اصطفّ الناس في طوابير طويلة لرؤيتها. وقد وُضعت داخل غرفة مظلمة، بينما صُفّت حول إطاراتها المذهّبة والفخمة شموع محترقة.
    في اللوحة، يصوّر كوينجي إحدى ليالي اوكرانيا الشاعرية والدافئة. القمر الفضّي يطلّ من أعلى المشهد محاطا بهالة خضراء من الغيوم. وفي أسفل المنظر يظهر شريط متوهّج من نهر الدنيبر الذي يفيض فوق مساحات واسعة من السهوب.
    ربّما لم يعبّر رسّام من قبل عن سحر وجمال القمر بهذا الشكل المدهش. الصورة تثير إحساسا بالحرّية واللانهائية. فأمامنا عالم واسع مليء بالضوء. وكلّ ما في هذه الطبيعة مشرق وبهيّ. الضوء الفوسفوري الغامض يغمر كلّ شيء على الأرض.
    كان على الجمهور أن يدخلوا إلى القاعة ذات الأنوار الخافتة قبل أن يتوقّفوا أمام وهج الضوء البارد المنبعث من اللوحة. بعضهم كان يظنّ أن مصدر الضوء ربّما يكون فانوسا أو مصباحا موضوعا بالجوار. المجال السماويّ الذي رسمه الفنّان فيه فخامة وجلال. قوّة الكون وضخامته تتجلّيان بأوضح صورة في هذا المشهد. التفاصيل على الأرض تتضمّن بيوتا وأشجارا كثيفة ونباتات شوكية ابتلعتها الظلمة.
    هذه اللوحة استنسخت مرّات كثيرة في جميع أنحاء روسيا وتحدّثت عنها الكثير من الصحف آنذاك. وقد ابتاعها الأمير الروسي كونستانتينوفيتش الذي شُغف بها منذ رآها لأوّل مرّة. وبلغ من حبّه للوحة انه كان يأخذها معه في تطوافه عبر العالم. وقد حاول الروائي ايفان تورغينيف، الذي كان يعيش في باريس في ذلك الوقت، إقناع الأمير بعرض اللوحة في احد الغاليريهات الفرنسية، لكنه رفض.
    لوحات ارشيب كوينجي تتّسم بالتصوّرات التأمّلية والفلسفية عن العالم. كما أن فيها إحساسا بعظمة الحياة. ولم يكن يهتمّ بتصوير الحالات الدراماتيكية للطبيعة، ولا حتى مظاهر الجمال فيها. كان معنيّاً أكثر بتصوير الإحساس بالكون ووحدة الوجود والتناغم ما بين الطبيعة والإنسان.
    الألوان الفوسفورية في اللوحة تستحضر مشاعر متسامية وتثير التأمّل عن طبيعة الحياة على الأرض وعن عالم السماء التي تبدو وهي تتحرّك في إيقاع بطيء. وبعض لوحات الرسّام الأخرى تصوّر عوالم تبدو أشبه ما تكون بالكواكب البعيدة التي لم تُكتشف بعد.

    الفنّان الاسباني اليسيو ميفرين روج رسم في واحدة من أشهر لوحاته بعنوان طبيعة ليلية منظرا للقمر وقد غطّته هالة من الغيوم. المنظر الطبيعي كلّه غارق في الليل. والمشهد يشعّ جوّا من السلام والسكون العميق. روج رسم أكثر من لوحة حاول من خلالها التقاط جوهر الليل والمعاني والمشاعر المرتبطة به، بالإضافة إلى السمات الخالدة للطبيعة.
    كان ميفرين روج إنسانا ذا طبيعة هادئة ومتأمّلة، كما تشي بذلك لوحاته الجميلة عن الليل والطبيعة البحرية ومناظر الغروب. كما كان أيضا مفتونا برسم الحدائق، ومنها حدائق ارانهويز المشهورة في مدريد. غير انه سجّل في بعض لوحاته الأخرى مقدّمات سقوط وانهيار اسبانيا كقوّة استعمارية أمام القوّة الصاعدة للولايات المتحدة.
    وقد كرّس الفنّان كلّ حياته تقريبا للرسم. ولوحاته تُظهر مهارته العالية في استخدام الفرشاة الفضفاضة والألوان الناعمة وفي مزجه بين الأسلوبين الانطباعي والرمزي.


    السفن الغارقة والعواصف البحرية والليالي المقمرة والحالمة، تلك هي بعض سمات لوحات الفنّان الروسي من أصل ارمني ايفان ايفازوفسكي.
    السنوات التي قضاها ايفازوفسكي خارج روسيا أسهمت إلى حدّ كبير في تشكيل موهبته الفنّية. فقد تعرّف في المتاحف الأوروبية على روائع الرسم العالمي، ما أدّى إلى إثراء مخيّلته الفنّية. كما ألهمته الطبيعة الايطالية السخيّة رسم صور عظيمة مثل سلسلة لوحات خليج نابولي.
    في سنواته الأولى كرسّام، اظهر ايفازوفسكي قدرة كبيرة في ملء أعماله بالضوء وفي تجسيد إحساسه العميق بالخطّ واللون والتوليف. ويُعتقد أن مناظره البحرية المضاءة بنور القمر هي أكثر الأعمال غنائية في فنّ هذا الرسّام الكبير.
    ايفازوفسكي بدأ رحلته مع الرسم في سبعينات القرن قبل الماضي. وأسلوبه الرومانسي المبكّر في تمثيل العواصف القويّة والصباحات الجميلة وتأثيرات البرق والغيم تحوّلت في ما بعد إلى دراسات أكثر عمقا للطبيعة.
    في روما، درس الفنّان أعمال كبار الرسّامين. كما رسم لوحات من الطبيعة، وأخرى من الذاكرة. وكان النجاح حليفه دائما. كما كان له معجبون كثر، بينما بدأ الفنّانون الشباب يقلّدون أسلوبه في رسم الطبيعة الليلية والبحرية.
    كان ايفازوفسكي مراقبا دقيقا للطبيعة. كما كان يتمتّع بذاكرة رائعة وموهبة استثنائية في الارتجال، لدرجة انه كان يستطيع رسم لوحة بأكملها في يوم واحد.
    وقد قال ذات مرّة ملخّصا فهمه للإبداع: إن الشخص الذي لا يتمتّع بالذاكرة التي تحفظ حالات الطبيعة ربّما يصلح لأن يكون ناسخا ممتازا. لكنه لن يصبح فنّانا حقيقيا. الفرشاة لا تستطيع الإمساك بالعناصر الحيّة. ومن غير المتصوّر أن ترسم البرق أو هبوب الرياح أو رذاذ الأمواج والمطر من الطبيعة مباشرة. إن موضوع اللوحة يتشكّل في ذاكرتي كما يتشكّل موضوع القصيدة في ذهن الشاعر".
    في إحدى لوحات سلسلة خليج نابولي، يرسم ايفازوفسكي منظرا ليليا مليئا بالتفاصيل. على سطح الماء تظهر مجموعة من القوارب والسفن الشراعية الراسية في الميناء. ومن بين غلالات الغيوم يلوح من بعيد ضوء القمر المنعكس على الأمواج الهادئة، وأعمدة من الدخان المنبعث من بركان فيزوف. الرسّام استخدم في اللوحة طبقات من الألوان الزرقاء والخضراء والداكنة.
    لوحات ايفازوفسكي التي رسمها في ايطاليا كانت من أفضل أعماله. وقد أثار بعضها ردود فعل قويّة في عاصمة الفنون الجميلة آنذاك. لوحة الفوضى، أو خلق العالم "كما تُسمّى أحيانا"، قيل عنها إنها عمل إعجازي ولا يشبه أيّ عمل فنّي آخر. وقد اشتراها البابا غريغوري السادس عشر وأمر بتعليقها في متحف الفاتيكان الذي يضمّ مجموعة من أروع وأشهر اللوحات العالمية.
    خلال إقامته في ايطاليا، قابل ايفازوفسكي الرسّام الانجليزي وليام تيرنر الذي أعجب كثيرا بلوحة خليج نابولي في ليلة مقمرة لدرجة انه ألّف عنها قصيدة ذات جرس حزين وأهداها إلى ايفازوفسكي.
    في القرنين التاسع عشر والعشرين، كانت فكرة الليل رائجة على نطاق واسع في الرسم الأوربّي بشكل عام. ومن أشهر الفنّانين الآخرين الذين رسموا الطبيعة الليلية كلّ من فان غوخ وايرت فاندر نير وكاسبار ديفيد فريدريش وايفغيني شيبانوف وجون غريمشو وإدوارد هوبر ورمبراندت وإيساك ليفيتان وغيرهم.